ثقافة الأحرار في وجه ثقافة العبيد

بقلم د.علي فخرو
معركتنا مع الاستبداد لن تكون فقط سياسية : إسقاط رؤساء متألهين من فوق عروش سرقت في غفلة من الزمن، واجتثاث أنظمة سياسية قمعية قامت على الولاءات الفرعية غير الوطنية الجامعة وعلى الزبونة والنهب والفساد. ولن يكفي أن تكون معارك اقتصادية اجتماعية توزع بصورة عادلة ثروات المجتمع المادية والمعنوية.
معركتنا الكبرى والصعبة، التي لن تسمح بنكوص ثورات ومعارك الأمة الكبرى أو حرفها نحو مسالك التشويه والتزوير، هي المعركة الفكرية والثقافية بلا منازع ولا تأجيل. وهي المعركة التي لن تحسم عبر سنين أو حتى عقود، لأنها ستحتاج أن تمتد في الزمان والمكان، أن تتجذر في العقول والنفوس وفي تركيبة الشخصية العربية وسلوكياتها.
زاد معركة الفكر والثقافة يجدها الإنسان في تراثنا ونتاج مفكرينا الأحرار في الماضي والحاضر، كما يجدها في التراث الإنساني. وإذا كان السلاطين، قديما وحديثا، قد نجحوا، من خلال فقهائهم وأزلامهم وآلة إعلامهم، في ترويج ثقافة التبرير والتزيين لأخلاق العبودية وما يرافقها من طبائع الاستبداد لدينا الأمل بأن تبادر قيادات ثورات الربيع العربي الديموقراطية، إبان فورانها وبعد استقرارها، إلى اجتثاث ثقافة السلاطين تلك وإحلال مكانها ثقافة الحرية والكرامة الإنسانية المتجددة دوما.
في هذا الحيز الصغير نود أن نشير كمثال إلى أحد مصادرنا الفكرية المتألقة لارتباطه الشديد بما يجرى الآن في الأرض العربية. فعندما وصف مؤلف كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد»، المرحوم عبدالرحمن الكواكبي، وصف كتابه بأنه « كلمة حق وصرخة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدا بالأوتاد» فان صرخته وصرخات غيره ذهبت مع الريح في أودية التخلف والخنوع ليرتد صداها اليوم إلى أودية النهوض والثورة فتذهب بأوتاد الظلم والاستبداد بعد أكثر من قرن من الزمان.
هذا الكتاب يجب أن يقرأه جميع شباب الثورة الآن، ثم يجب أن يصبح جزءا من مادة قراءة ودرس في كل جامعة ومدرسة ثانوية عربية. ذلك أن شباب المستقبل سيحتاجون، في فترة مبكرة من حياتهم، لبناء حساسية شديدة في عقولهم ونفوسهم لرفض أي نوع من الاستبداد في حياتهم الخاصة والعامة، وكذلك لامتلاكهم وعيا عميقا والتزاما أخلاقيا بأهمية تواجد العدالة والإنصاف في مجتمعاتهم.
عندما يقرأ الشباب ويستوعب ويقتنع بأن « المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللا وتملقا.والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها، لتأمن من بطشه، فان شمخ هزت به الزمام وإن صال ربطته»، وعندما يقرأ ويؤمن بأن «اشد مرا




























